عثمان بن جني ( ابن جني )

81

الخصائص

كما أن الإنسان من قول اللّه سبحانه إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 2 ] جنس للناس ، فكذلك الكلام ، جنس للجمل ، فإذا قال : قام محمد فهو كلام ، وإذا قال : قام محمد ، وأخوك جعفر فهو أيضا كلام ؛ كما كان لمّا وقع على الجملة الواحدة كلاما ؛ وإذا قال : قام محمد وأخوك جعفر ، وفي الدار سعيد ، فهو أيضا كلام ؛ كما كان لمّا وقع على الجملتين كلاما . وهذا طريق المصدر لما كان جنسا لفعله ؛ ألا ترى أنه إذا قام قومة واحدة فقد كان منه قيام ، وإذا قام قومتين فقد كان منه قيام ، وإذا قام مائة قومة فقد كان منه قيام . فالكلام إذا إنما هو جنس للجمل التوامّ : مفردها ، ومثناها ، ومجموعها ؛ كما أنّ القيام جنس للقومات : مفردها ومثناها ومجموعها . فنظير القومة الواحدة من القيام الجملة الواحدة من الكلام . وهذا جلىّ . ومما يؤنسك بأنّ الكلام إنما هو للجمل التوامّ دون الآحاد أنّ العرب لما أرادت الواحد من ذلك خصته باسم له لا يقع إلا على الواحد ، وهو قولهم : " كلمة " ، وهي حجازية ، و " كلمة " وهي تميمية . ويزيدك في بيان ذلك قول كثيّر : لو يسمعون كما سمعت كلامها * خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا " 1 " ومعلوم أنّ الكلمة الواحدة لا تشجو " 2 " ، ولا تحزن " 3 " ، ولا تتملك قلب السامع ، إنما ذلك فيما طال من الكلام ، وأمتع سامعيه ، بعذوبة مستمعيه ، ورقة حواشيه ؛ وقد قال سيبويه : " هذا باب أقلّ ما يكون عليه الكلم " فذكر هنالك حرف العطف ، وفاءه ، وهمزة الاستفهام ، ولام الابتداء ، وغير ذلك مما هو على حرف واحد ، وسمّى كل واحد من ذلك كلمة . فليت شعري : كيف يستعذب قول القائل ، وإنما نطق بحرف واحد ! لا بل كيف يمكنه أن يجرّد للنطق حرفا واحدا ؛

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو لكثير عزّة في ديوانه ص 441 ، ولسان العرب ( كلم ) ، والمقاصد النحوية 4 / 460 ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 283 ، وشرح الأشمونى 3 / 603 ، وشرح ابن عقيل ص 595 . ويروى حديثها بدلا من : كلامها . ( 2 ) تشجو : من شجا يشجو ، يقال : شجاه وأشجاه بمعنى واحد . ( 3 ) هكذا ضبطت في الأصل ( لا تحزن ) بضم الزاي وهو فصيح من قولهم : حزنه الأمر يحزنه حزنا ، فهو وسابقه متعد بأصله بغير زيادة حرف للتعدية ، ويصح فيه أحزنه ، كما يصح في سابقه أشجاه . وانظر اللسان ( حزن ) .